بعد أكثر من ربع قرن في مهنة المحاماة، أجد نفسي — كمحامٍ كويتي نشأ وعمل داخل منظومة قانونية متأثرة بالفلسفة الرومانية والتقنين المدني — أقف بتأمل أمام الفارق العميق بين المدرستين الرومانية والإنجليزية. ورغم أن قوانيننا وأحكامنا القضائية وتكويننا القانوني تنتمي في جوهرها إلى المدرسة التي تُعلي من النصوص والتقنين، فإنني شخصيًا أميل فكريًا إلى النظام الإنجليزي؛ ذلك النظام الذي يمنح المحامي مساحة أوسع للحركة والاجتهاد، ويتيح للقانون أن يتنفس خارج حدود النص الجامد. ففي المدرسة الإنجليزية، لا يكون المحامي مجرد ناقل للمواد القانونية، بل شريكًا حقيقيًا في صناعة العدالة، قادرًا على بناء منطقه القانوني انطلاقًا من الوقائع والسابقة القضائية وفلسفته الخاصة في فهم الإنصاف والحق. وربما لهذا السبب، وجدت في هذا النظام مساحة أقرب إلى طبيعة المرافعة الحقيقية؛ حيث لا تُختزل العدالة في حرفية النص، بل تمتد إلى روح القانون ذاتها. وهذا المقال ليس سوى بداية لفكرة أكبر… النواة الأولى لكتاب أعمل عليه حول الفلسفة القانونية، وصراع المدارس القضائية، وتأثيرها على عقل المحامي المعاصر
بين روما ولندن: كيف صنع القانون الروماني والإنجليزي عقل العدالة الحديثة
