في مساحات الظل التي تصنعها الحكومات الجائرة، حيث لا يصل نور العدالة، وحيث تُقاس قيمة الإنسان بلون بشرته أو أصله، تولد جرائم الدول في حق شعوبها، مغلفة بشعارات زائفة، وأيديولوجيات مضللة، وسياسات لا تعترف إلا بلغة القوة. التمييز العنصري ليس مجرد تصرف فردي صادر عن شخص ضيق الأفق، بل قد يتحول إلى أداة قمع ممنهجة عندما تتبناه الدولة، فيصبح قانونًا، وينسج في نسيج المؤسسات، ويتحول إلى نظام معترف به يحكم الحياة اليومية لمن وقع عليهم الاختيار ليكونوا ضحايا العرق واللون. في التاريخ شواهد دامية على ذلك. كيف يمكن أن ننسى الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، حيث قُسّم البشر بين سادة وعبيد على أرض واحدة؟ وكيف نتجاهل ما فعله الاستعمار الأوروبي، حين جعل من التفوق العرقي مبررًا لنهب الشعوب وإذلالها؟ وكيف نغفل عن المجازر التي لا تزال ترتكب باسم التفوق القومي، حيث يُقصى “الآخر” لا لشيء سوى أنه مختلف؟ حين يصبح التمييز العنصري جريمة دولة، فإنه لا يُسلب من الإنسان حقوقه فحسب، بل يُسلب منه حقه في أن يكون إنسانًا. يُصبح طفله منبوذًا في المدارس، وأبوه محروماً من العمل، وأمه خائفة من السير في الشوارع، ويصبح المستقبل مظلمًا، لأن السلطة قررت أن الهوية قدر لا يُغتفر. لكن، حتى في أحلك لحظات الظلم، يبقى هناك صوت يعلو فوق الضجيج، يتحدى القهر، ويدافع عن المساواة. صوت نيلسون مانديلا وهو يخرج من السجن بعد 27 عامًا ليحطم أسوار الكراهية، صوت مارتن لوثر كينغ وهو يهتف: “لدي حلم”، صوت كل إنسان قاوم ليقول: لا للتمييز، لا للفصل، لا للجرائم التي تغلفها القوانين. إن العدالة ليست منحة تقدمها الحكومات، بل حق يجب أن يُنتزع. وإن الصمت عن جرائم التمييز هو مشاركة فيها. فمتى تدرك الدول أن قوتها لا تكمن في تهميش الآخر، بل في احتوائه؟ متى تدرك أن التنوع ليس تهديدًا، بل ثراءً؟ متى تفهم أن الإنسان، أي إنسان، يستحق أن يعيش بكرامة، دون خوف من لون بشرته أو أصله أو اسمه؟ حتى ذلك الحين، سيظل التاريخ يكتب ويدوّن، وسيظل صوت المظلومين، مهما حاولوا إسكاتهم، يرن في الأفق، شاهداً على جريمة لم تمت بعد
التمييز العنصري.. حين تصبح الدولة جلادًا
