في هذا العالم المائل، حيث يُكافأ الصوت العالي، ويُخنق الصدق الخافت… يمشي المظلوم منحنيًا، لا لأن الظهر انكسر، بل لأن قلبه مثقل بما لا يُقال.
لك يا من تجرّعت الصمت مرارةً، وأكلت كرامتك لقمةً باردةً على موائد الجحود.
لك يا من أضأتَ قلبك لمن حولك، فطفأوه، ثم قالوا: لماذا لا تبتسم؟
لك يا من لم ترفع يدك، لأنك ظننت أن الأخلاق درعٌ كافٍ، فوجدت نفسك عاريًا أمام السكاكين.
نحن لا نكتب اليوم لنقول: “اصبر”، ولا لنعزف لحن التسامح الجاهز.
بل لنقول:
نراك. نعرفك. نصدقك. نؤمن أن الظلم حين يأتي من قريب، يكون الغدر مضاعفًا.
لكن…
قبل أن تنتقم، خذ لحظة.
انظر لنفسك في المرآة، واسألها:
هل تريد أن تشبه من جرحك؟
أم تريد أن تنتصر لنفسك دون أن تخونها؟
نعم، للظالم حساب.
لكن ليس على يدك وحدك. هناك عدل في السماء، وهناك قانون، وهناك كلمة، وهناك وقت سيأتي…
سيأتي، وربما يبكي فيه الظالم ندمًا، ويتعثر بصورته القديمة، ويتمنى أن تعود اللحظة ليعتذر
او قد يتوهم الظالم أن الصمت ضعف، وأن تجاوز المظلوم سكوت دائم. لكنه لا يدرك أن بعض الصمت موقف، وبعض الصبر نُضج، وأن المظلوم إن شاء تكلم، وإن أراد واجه، وإن قرر تحرّك… ولكن بكامل سيادته.
نعم، قد يتأخر الإنصاف، لكنه لا يُمحى.
وقد يُؤجَّل الحساب، لكنه لا يُلغى.
وفي بعض الأحيان، لا يُغني الاعتذار، ولا يكفي الندم، ولا يبرئ الظالم سوى اعتراف علني، وتعويض حقيقي — نفسي، أدبي، وربما مادي — يُعيد للمظلوم شيئًا من ميزان العدالة.
أما التسامح؟
فليس افتراضًا، بل امتياز لا يُمنح إلا بعد أن تُعاد الحقوق، وتُكسر كبرياء الظلم، ويشعر الظالم بذات الشعور الذي زرعه.
المظلوم ليس ضحية، بل شاهدٌ على عيوب هذا العالم.
وكل يوم يصمت فيه عن الانتقام، لا يعني أنه نسِي، بل أنه يكتب تاريخه بكرامة، لا بردّة فعل.
ويوماً ما، سيقف الظالم أمام مرآة لم تُعلَّق على الجدار، بل في القلوب التي جرَحها، وسيكتشف أن الخسارة الأكبر لم تكن خسارة وجهه أمام الناس، بل احترامه لنفسه امام الله
أنت لست ضحية،
أنت إنسان نجح في ألا يتحول إلى جلاد.
وذاك… انتصار لا يعرفه سوى الكبار.
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
