القضاء خط أحمر: سيادة العدالة في وجه التدخلات السياسية

في كل أمّة تسعى إلى التقدّم، لا بد أن يكون هناك ميزان عدالة لا يميل مع الأهواء، وسيف قضاء لا ينحني أمام الضغوط. فالقضاء هو حصن الحقوق الأخير، وهو الملجأ حين تضيق الأبواب، وهو الضامن الأسمى للحرية والكرامة. وإذا كان العدل أساس المُلك، فإن استقلال القضاء هو أساس العدل نفسه، فلا يمكن لدولة أن تنهض ما لم يكن قضاؤها بعيداً عن أيادي الساسة وأصحاب النفوذ، نزيهاً عن الرشاوى، عصياً على الاستزلام.

القضاء واستقرار الدول

عبر التاريخ، كانت الدول التي تكرّس استقلال القضاء هي الأكثر استقراراً وازدهاراً، فيما تفككت الدول التي جعلت منه أداة للبطش أو الترضية. عندما حرر شارل ديغول فرنسا من الاحتلال النازي، لم يسأل عن المال أو الجيش، بل عن القضاء، وحين علم أنه لا يزال بخير، قال كلمته الشهيرة: “إذن نستطيع أن نبني فرنسا من جديد”. لم يكن ذلك مجرد تعبير مجازي، بل كان إيماناً بأن الدولة تنهض بالقانون العادل، وليس بالقوة وحدها.

وكذلك فعل ونستون تشرشل في أحلك لحظات الحرب العالمية الثانية، حين سأل عن حال القضاء قبل أن يسأل عن الدمار، لأنه أدرك أن العدالة حين تكون بخير، تكون الدولة بخير، ولو كانت أنقاضاً تنتظر إعادة الإعمار.

القضاء والسلطة: صراع النفوذ والخطر الداهم

في الأنظمة القوية، يكون القضاء سلطة مستقلة، بينما في الأنظمة الهشة، يتحوّل إلى دمية تحرّكها الأيدي الخفية. وحين تتدخّل الحكومة في القضاء، يصبح القانون أداة قمع لا وسيلة إنصاف، وبدلاً من أن يكون القضاء نصير المظلوم، يصبح أداة في يد الظالم.

إن خطورة التدخل الحكومي في القضاء لا تكمن فقط في تغييب العدالة، بل في زعزعة ثقة الناس بالدولة نفسها. حين يفقد المواطن ثقته في نزاهة المحاكم، يلجأ إلى الوسائل البديلة، سواء كانت الفوضى أو العنف أو حتى البحث عن العدالة خارج حدود القانون. وحينها، لا يكون أحد في مأمن، لا المواطن البسيط، ولا حتى من يظن نفسه صاحب نفوذ.

القضاء المستقلّ… صمام أمان الأمم

القضاء العادل والمستقلّ هو بمثابة حجر الزاوية في بناء أي دولة حديثة. فهو ليس مجرّد جهاز وظيفيّ، بل هو روح القانون، وهو الحكم بين الأفراد والسلطة، وهو السدّ الأخير أمام تغوّل الفساد والطغيان.

إننا حين نطالب بعدم تدخّل الحكومة في القضاء، فإننا لا نطلب رفاهية سياسية، بل نطالب بحق أساسي يضمن للمجتمع الاستقرار والطمأنينة. فلا حرية من دون عدالة، ولا دولة من دون قضاء نزيه، ولا مستقبل لأمّة تجعل ميزان الحقّ في يد السياسيين وأصحاب النفوذ.

إن القضاء خط أحمر، لا يجوز تجاوزه، ولا العبث به، ولا تسخيره لمصالح آنية. فمن أراد أن يحكم دولة قوية، فليبدأ بتحصين قضائها، ومن أراد أن يرى شعباً آمناً مطمئناً، فليضمن له قضاءً لا يخضع إلا للحق.


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.