أثار صدور المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 بشأن مكافحة التستر التجاري إشكالية قانونية مهمة تتعلق بالأشخاص الذين سبق لهم الإفصاح لوزارة التجارة عن المستفيد الفعلي تنفيذاً للقرار الوزاري رقم 4 لسنة 2023 بشأن إجراءات تحديد هوية المستفيد الفعلي.
فبموجب نظام المستفيد الفعلي، طُلب من المنشآت الكشف عن الشخص الطبيعي الذي تعود إليه الملكية أو السيطرة الفعلية، حتى ولو لم يكن ظاهراً في السجلات أو العقود الرسمية. وبالفعل تم الإفصاح عن مستفيدين فعليين، بل صدرت في بعض الحالات تراخيص تجارية مثبتاً فيها اسم المستفيد الفعلي.
ثم صدر قانون مكافحة التستر التجاري ليحظر مزاولة النشاط دون الترخيص اللازم أو خارج حدوده، كما يحظر تمكين الغير من ذلك باستعمال الاسم أو الترخيص أو السجل التجاري أو غيرها من الوسائل.
وهنا يثور السؤال:
هل الشخص الذي سبق أن أفصح عن نفسه كمستفيد فعلي، وقبلت وزارة التجارة هذا الإفصاح وأثبت اسمه في الترخيص، يمكن مساءلته لاحقاً عن التستر التجاري؟
الإفصاح شيء والترخيص شيء آخر
بدايةً، يجب الفصل بين مفهومين مختلفين.
الإفصاح عن المستفيد الفعلي يهدف إلى كشف حقيقة الملكية أو السيطرة الاقتصادية أمام الدولة.
أما الترخيص فيحدد من يحق له قانوناً ممارسة النشاط، وفي أي حدود وبأي شروط.
ومن ثم، فإن تسجيل شخص كمستفيد فعلي لا يمنحه بذاته ترخيصاً شخصياً مستقلاً بممارسة النشاط، إلا إذا كان القانون والترخيص يسمحان له بذلك.
وفي الاتجاه المقابل، فإن مجرد تسجيل شخص كمستفيد فعلي لا يجعله متستراً عليه تلقائياً؛ فجريمة التستر لها أركان مستقلة يجب إثباتها.
هل الإفصاح السابق يمثل إعفاءً؟
لا يظهر في قانون مكافحة التستر نص صريح يقرر أن من سبق له الإفصاح عن المستفيد الفعلي يُعفى من المسؤولية.
لكن الإفصاح السابق له قيمة قانونية وإثباتية مهمة.
فإذا كانت المنشأة قد كشفت حقيقة المستفيد أمام وزارة التجارة، وقبلت الوزارة الإفصاح، بل وأثبتت اسمه ضمن بيانات الترخيص، فإن ذلك يؤكد أن حقيقة العلاقة كانت معلومة للجهة الإدارية وليست مستترة عنها.
إلا أن قبول الإفصاح لا يعني بالضرورة أن الإدارة أجازت جميع الآثار القانونية المترتبة على تلك العلاقة؛ فقد تقبل الوزارة تحديد هوية المستفيد الفعلي دون أن يعني ذلك أنها منحته حقاً مستقلاً في مزاولة نشاط لا يسمح له القانون بممارسته.
وبالتالي:
الإفصاح ليس حصانة، لكنه أيضاً ليس اعترافاً بالتستر.
الإفصاح وحده لا يكفي لإثبات جريمة التستر
وهذه من أهم النتائج.
وجود اسم شخص في سجل المستفيد الفعلي أو في الترخيص لا ينبغي أن يكون، بمفرده، دليلاً كافياً على ارتكاب جريمة التستر.
بل يجب إثبات عناصر مستقلة، أهمها:
- وجود نشاط لا يحق للشخص ممارسته أو الانتفاع به وفقاً للقانون أو شروط الترخيص.
- ثبوت ممارسة هذا النشاط أو تمكينه منه فعلياً.
- استخدام ترخيص أو اسم أو سجل الغير كوسيلة لهذا التمكين متى تطلب النص ذلك.
- توافر العلم والإرادة وفقاً للدور الحقيقي لكل طرف.
- وقوع السلوك المجرّم أو استمراره بعد بدء نفاذ القانون الجديد.
فـالاستفادة الفعلية أو السيطرة الاقتصادية ليست بذاتها مرادفة للمزاولة غير المرخصة أو للتستر التجاري.
ماذا عن عدم الإخفاء وحسن النية؟
الإفصاح السابق يثبت أن الشخص لم يخفِ عن وزارة التجارة حقيقة كونه مستفيداً فعلياً، ويمكن أن تكون لذلك قيمة مهمة في إثبات حسن النية وطبيعة العلاقة ومركز الأطراف أمام الإدارة.
لكن ينبغي التمييز هنا أيضاً: إذا كان قانون التستر لا يجعل «الإخفاء» ركناً لازماً لقيام الجريمة، فإن مجرد انتفاء الإخفاء لا يؤدي وحده إلى سقوط المسؤولية متى ثبتت بقية أركان الجريمة.
ومن ثم فإن الأثر الأقوى للإفصاح السابق يظهر في الإثبات وحسن النية والثقة المشروعة والأمن القانوني وتحديد حقيقة العلاقة وتاريخها، وليس باعتباره سبباً مستقلاً للإعفاء من العقوبة.
لا رجعية للتجريم الجديد
وتبرز هنا مسألة جوهرية أخرى.
فقد قرر المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 بدء العمل بأحكامه بعد ستة أشهر من تاريخ نشره.
وبالتالي، لا يجوز تطبيق التجريم المستحدث بأثر رجعي على فعل اكتمل قبل نفاذ القانون.
أما إذا كان الوضع أو النشاط مستمراً بعد بدء نفاذه، فيصبح من الممكن بحث السلوك اللاحق وفق أحكام القانون الجديد، مع ضرورة إثبات الفعل المخالف الذي وقع أو استمر بعد النفاذ، وليس الاكتفاء بواقعة تاريخية سابقة أو بمجرد الإفصاح القديم.
فما أهمية الأشهر الستة؟
القانون لم ينص – بحسب ظاهره – على أن الأشهر الستة «مهلة إعفاء» خاصة بمن سبق لهم الإفصاح، ولذلك يجب عدم وصفها قانوناً بأنها إعفاء أو تسوية تلقائية.
لكن تأجيل نفاذ أحكام التجريم لمدة ستة أشهر يتيح عملياً لأصحاب الأنشطة مراجعة أوضاعهم ومواءمتها مع التشريع الجديد قبل بدء تطبيقه.
وتزداد أهمية ذلك بالنسبة لمن سبق أن أفصح عن مستفيد فعلي وكانت طبيعة العلاقة الفعلية قد تدخل ضمن إحدى صور التستر التي حظرها القانون الجديد.
الخلاصة
لا يوجد تعارض حتمي بين نظام المستفيد الفعلي وقانون مكافحة التستر التجاري.
فالأول يسأل:
من هو المالك أو المسيطر أو المستفيد الحقيقي؟
بينما الثاني يسأل:
هل الطريقة التي يمارس بها هذا الشخص النشاط مشروعة وفق القانون والترخيص؟
ومن هنا فإن الإفصاح السابق عن المستفيد الفعلي وإثبات اسمه في الترخيص لا يشكل إعفاءً تشريعياً صريحاً من قانون مكافحة التستر، لكنه في الوقت ذاته لا يصلح وحده دليلاً كاملاً على قيام الجريمة.
وتظل جهة الاتهام ملزمة بإثبات أن العلاقة تجاوزت مجرد الاستفادة أو السيطرة الفعلية إلى مزاولة أو تمكين محظور قانوناً بعد نفاذ التشريع الجديد.
النصيحة العملية
من سبق له الإفصاح عن مستفيد فعلي وكانت طبيعة العلاقة أو الترخيص أو الملكية أو الإدارة الفعلية قد تثير شبهة انطباق قانون مكافحة التستر، فالأكثر أماناً ألا يعتمد على الإفصاح السابق باعتباره حصانة.
بل ينبغي الاستفادة من الفترة السابقة على نفاذ القانون في مراجعة هيكل الملكية، والترخيص، والإدارة الفعلية، والعقود والعلاقة بين الأطراف، وتصحيح الوضع القانوني عند الحاجة قبل بدء سريان أحكام التجريم.
فالهدف ليس التراجع عن الإفصاح أو إخفاء المستفيد الحقيقي، وإنما جعل الحقيقة التي سبق الإفصاح عنها متوافقة مع القانون الجديد قبل نفاذه.

أضف تعليق