بقلم: عيدان الخالدي
“الخليج ليس حدًّا يفصل، بل جسرٌ يُذكّر بأن الأرض تتكلم… حتى حين يسكت التاريخ.”
حين نرسم الخليج على الخريطة، تميل أعيننا إلى اللون الأزرق كأنه نهاية… كأن البحر فصلٌ بين عالمين.
لكن لو أصغينا إلى صوت الأرض — إلى الجغرافيا العميقة — لسمعنا شيئًا آخر تمامًا:
أنّ الخليج ندبة بين قارتين، وأنّ جزيرة العرب لم تكن يومًا ساكنة، بل كتلة مهاجرة، انفصلت وارتطمت، فكوّنت هوية.
هذه النظرة ليست مجرّد خيال، بل تعود إلى رؤية تأملية تبناها الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي،
الذي أشار مرارًا إلى أن الجزيرة العربية تكوّنت جغرافيًا بعد أن ارتطمت بـ سلسلة جبال الهملايا،
لتنشأ بذلك تضاريس الخليج وتشوّه الأرض الذي نعرفه باسم الخليج العربي.
جغرافيا ما قبل التاريخ
طبقًا للعلوم الجيولوجية، كانت الجزيرة العربية جزءًا من كتلة أرضية ضخمة، انفصلت قديمًا نتيجة ضغط صفائح الأرض،
وانزلقت نحو الشمال الشرقي حتى اصطدمت بالهضبة الإيرانية وسلاسل الهملايا.
هذا الارتطام الهائل رفع الجبال، وفتح الممر البحري الذي فصل بين ما نعرفه اليوم بـ “الساحل العربي” و”الساحل الفارسي”.
لكن هل كان ذلك فعلاً “فصلًا”؟
الجواب: لا.
فالخليج — كما يراه التاريخ العميق — لم يكن حاجزًا، بل رابطًا،
امتدت من خلاله القبائل، التجارة، اللغة، والهوية، من نجد إلى لنجة، ومن عمان إلى جيروه، ومن صحراء العرب إلى جبال الكرد.
هوية لا تحدّها المياه
حين حكم القواسم الضفتين، لم يكونوا يتوسّعون، بل يتحركون في مجالهم الطبيعي.
كان وجودهم في لنجة، كنكون، قشم، وحتى بلوشستان، امتدادًا جيولوجيًا وتاريخيًا، لا غزوا سياسيًا.
فمنذ أن ارتحلت جزيرة العرب واصطدمت، انقسم التاريخ بين ماءٍ ظاهر وهويةٍ مستترة.
وما نسميه اليوم حدودًا دولية، كانت يومًا ما أطرافًا لذات الجسد الجغرافي.
من الرمل إلى الجبال
جبال زاجروس، الهملايا، مرتفعات الكرد، لم تكن في العقل العربي مجرد تضاريس،
بل كانت محطات في رحلة الرمل، الصخر، والتاريخ.
وربما لا نملك اليوم تلك الجبال، لكننا نملك تاريخًا يشير إليها، وذاكرة تحفظها، وقلوبًا تعرف أنها منا.
ولعل القادم… يعيد قراءة الجغرافيا، كما أعاد الشيخ سلطان كتابة التاريخ.
هذا المقال نواة لكتابٍ تاريخي بعنوان: “ظل القاف على الساحل – نفوذ القواسم في الضفة الشرقية للخليج”، أقوم حاليًا بتأليفه، وسيُعلن عنه قريبًا بإذن الله.
الكتاب يعيد رسم حدود الذاكرة القاسمية… لا كما أرادها المستعمر، بل كما نطقت بها الجغرافيا
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
