من الأصلي؟ ومن الطارئ؟

في صحراء الذاكرة البشرية، لا تزال صرخات الشعوب الأولى تئن في وجدان التاريخ. ذاك الذي يُكتب دائمًا بقلم الغالب… أو من ظنّ نفسه كذلك.

“نحن السكان الأصليون”، “نحن أول من وطأ الأرض”، “نحن الأساس والباقي طارئون”.

عبارات تتكرر في كل رقعة من هذا الكوكب، من الأمريكتين إلى أستراليا، من الشام إلى إفريقيا. لكنها – ويا للمفارقة – كثيرًا ما تكون على لسان من جاءوا متأخرين، فاستوطنوا، واستقووا، ثم بدأوا في فرز البشر: “من يشبهنا؟ ومن نحتمل وجوده؟ ومن لا مكان له بيننا؟”

وهكذا تنشأ العنصرية، لا من حقيقة الأصل، بل من وهم التفوق.

التقدم لا يُبنى على المقابر، بل على المصالحة والعدالة.

القتل كحل؟ أم كجريمة مؤجلة؟

يروج البعض لفكرة مفادها أن إبادة السكان الأصليين أو المختلفين ثقافيًا، هي طريقة لإنهاء الصراع و”تنقية” المجتمع من بذور الفرقة. وكأن التقدم لا يُولد إلا من رحم الخراب!

لكن التاريخ – كقاضٍ لا ينام – يشهد بخلاف ذلك.

الإبادة ليست حلاً. إنها الجرح المفتوح في قلب أي مجتمع.

ما من جريمة أخطر من أن يمحو الإنسانُ أخاه، ثم يدّعي أنه فعل ذلك من أجل الوطن، أو من أجل الله.

ما فعله الاستعمار في أمريكا وأستراليا، وما تفعله الأنظمة في فلسطين أو في ميانمار، لم ينتج عنه “مجتمع موحد منتج”، بل مجتمعات ترتعد في الظل، تنكر ماضيها، وتخشى الاعتراف بالحقيقة.

القانون: مرآة أم شاهد زور؟

في بعض الدول، يُكرّس القانون لهيمنة “العرق النقي” أو “الأصليين المزعومين”.

قوانين الجنسية، الإقامة، التملك، التعليم، وحتى الزواج، تُصاغ بلهجة ناعمة لكنها تُمَيّز وتُقصي وتُعاقب… أحيانًا باسم “السيادة”، وأحيانًا باسم “الخصوصية الثقافية”.

لكن في جوهرها، تلك القوانين تُعيد إنتاج القمع بثوب رسمي.

العلاج: الاعتراف لا الإبادة

ما تحتاجه المجتمعات المتعددة هو الاعتراف لا الإلغاء.

هو العدالة لا الإبادة.

هو قانون يعترف بالكرامة كأصل، لا بالأصل كامتياز.

الدول التي احتضنت شعوبها رغم اختلاف الأعراق – كرواندا بعد الإبادة، وكندا مع سكانها الأصليين – شهدت نقلة نحو التصالح المجتمعي، والإنتاج، والازدهار. أما التي بنت مجدها على العظام، فسرعان ما تسقط، مهما بلغ ارتفاع عماراتها أو أرصدتها

إذاً:

التطور لا يعني إزالة المختلف، بل احترامه،العدالة التاريخية، لا الإبادة، هي السبيل إلى مجتمعات سليمة ومنتجة


اكتشاف المزيد من

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.