في الآونة الأخيرة، أهدتني الحياة لحظة هدوء كنت أفتقدها. محامٍ أنا، أركض بين أروقة المحاكم، وألهث خلف المواعيد، لا لشيء إلا لأن العدالة لا تنتظر. لكن حتى سيف القانون يحتاج إلى غمد. لهذا قررت أن أرحل قليلاً عن صخب المرافعات، وأستسلم لرحلة استرخاء إلى جورجيا، حيث الجمال يهمس لا يصيح، وحيث تبليسي تتلو على زائريها قصائدها من دون صوت.
كانت بحيرة ليزي في أعلى الجبل، لا تشبه شيئاً رأيته من قبل. الماء هناك لا يتحرك كثيراً، وكأنه يتأمل هو الآخر. جلستُ وحدي، والهواء يلامس وجهي كما لو أنه يعرفني منذ زمن. كأن الجبل يحتضن روحي، لا جسدي فقط.
لم أكن أتهرب من مسؤولياتي، بل كنت أتنفس لأكمل الطريق. حتى وأنا هناك، كنت أراجع ملف قضيتي القادمة، لا لأنني لا أعرف الاستراحة، بل لأنني أعرف معنى الأمانة. في ذلك المشهد، شعرت أن العدالة ليست فقط ما نطالب به في قاعة المحكمة، بل هي أيضاً ما نمنحه لأنفسنا حين نصغي إلى حاجتها للراحة.
تأملت البحيرة، وتذكرت وجه موكلي القلق، وحديثه عن الظلم الذي يسعى لتفكيكه عبر قضيتي. عندها فهمت أنني بحاجة إلى أن أعود بقوة، لا بقسوة، وأن أكون حاضراً بكل قلبي، لا فقط بعقلي. كانت ليزي أشبه بجلسة صلح بيني وبين نفسي.
في طريق العودة من الجبل، مررت على الأزقة القديمة في تبليسي. رائحة الخبز الطازج، وألوان البيوت المعلقة على التلال، والنظرات الهادئة في عيون الناس. كل ذلك كان درساً في التوازن، وفي أن تكون المحاماة جسراً لا سجناً، أن تحمل الحق في قلبك دون أن تنسى قلبك نفسه.
أدركت هناك أن الاسترخاء ليس ترفاً، بل جزء من العدالة الداخلية. من لا يمنح نفسه لحظة صفاء، لن يملك صفاءً ليدافع به عن غيره. وربما لهذا اخترت هذا الجبل، هذه البحيرة، وهذا الصمت… لأعود وأنا أكثر صدقاً مع كل من ينتظرني.
في ليزي… لم أهرب من القضايا، بل كنت أستعد لها
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
