في زوايا البيوت لا تختبئ البراءة فقط، بل كثيرًا ما تتعثر الأرواح في دهاليز الصمت، ويتحول الحب إلى غيرة، والدم الواحد إلى منافسة خفية.
وصراع الإخوة ليس دائمًا صراعًا على اللعب أو الاهتمام، بل أحيانًا… هو صراع على الوجود ذاته.
كان الأصغر، لكنه الأجرأ.
ذاك الذي وُلد بعد أن امتلأ البيت بأنفاس الكبار، فلم يطلب مكانًا بل صنع له مكانًا.
أحبّه الناس، لا لأنه كان الأفضل، بل لأنه كان صادقًا، واضحًا، لا يعرف أن يُجمّل خوفه ولا أن يُخفي دمعه.
ومع كل نجاح كان يحققه، كانت تعلو في قلوب إخوته تلك الهمسة الخفية:
“من يظن نفسه؟”
الغيرة تبدأ ناعمة، لا صوت لها… لكنها تقضم من الداخل.
تبدأ بمزحة ثقيلة، تلميح باهت، نظرة باردة.
ثم تتحوّل إلى إنكار للفضل، تقليل من الإنجاز، واستنقاص لكل ضوء يحمله الصغير معهم.
فالصغير لا يجب أن يتجاوز الكبار… تلك قاعدة غير مكتوبة في قلب الأخوة المجروحة.
النجاح حين يأتيك من دون استئذان، لا يغفره لك من فشل في فهم نفسه.
وإذا كنت محبوبًا، فإنك تُحاكم لا على أخطائك، بل على كل لحظة فرح ظهرت فيها دون إذن الآخرين.
فالمحبوب، في العائلة المريضة بالغيرة، يُصبح المتهم الأول.
والأخ الذي يكبرك، إن لم يكبر في داخله، سيراك عدوًا كلما ابتسم لك العالم.
الحسد بين الإخوة ليس نادراً… لكن الحقد؟
ذاك يحدث حين يرى الأخ أن كل ما ينقصه، قد اجتمع فيك.
وحين لا يغفر لك أنك لم تحتج إلى مديحه كي تزهر.
ولا إلى اعترافه كي تكون.
الصغير الناجح في بيت كبيرٍ بالحجم، لكنه ضيق بالروح، لا يُكافأ…
بل يُراقب، يُخنق، يُنتقص منه في المجالس، ويُطعن في غيابه.
لكنّ المؤلم ليس ما يفعلونه، بل أنك كنت يومًا تسميهم: أخوتي.
ومع ذلك، لا تكُن مثلهم.
لا ترد الحقد بالحقد، ولا الغيرة بالاستهزاء.
فأنت لم تختر أن تكون محبوبًا… لكنك تستطيع أن تختار أن تبقى كبيرًا، حتى وأنت الأصغر.
وأن تُكمل الطريق لا لتثبت شيئًا، بل لأنك تعرف من أنت.
في النهاية: الأخ لا يُقاس بالدم فقط… بل بقدرته على الفرح لفرحك.
وإذا لم تجد هذا الأخ في البيت، فاصنعه في قلبك.
ففي زمن العائلة المكسورة، قد يكون أعظم انتصار… أن تبقى نقيًا
اكتشاف المزيد من
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
